عبد الملك الجويني

255

الشامل في أصول الدين

التأليف ، فقد زال التأليف بزواله . فلو كان القائم بالجميع تأليفا واحدا ، لوجب أن يبطل تأليف الجميع ، إذ من المستحيل أن يبطل من وجه ولا يبطل من وجه . والتمسك بذلك سديد ، ولكنه غير مستقيم على مذهب الجبائي : وهو الأصل في القول بالتأليف . وقد قال بما يصده عن إنكار ما أنكره . فإن من أصله أن طائفة لو تلوا آية واحدة ، فيوجد مع تلاوة كل واحد منهم كلام اللّه تعالى قائما بالتالي ، ثم لا يتعدد كلام اللّه بتعدد التأليفين والقراء . ثم إذا كفّ أحد القراء نفسه عن القراءة ، فيعدم عنه كلام اللّه . والذي عدم عنه بعينه موجود قائم بغيره . فإذا لم يستبعد ذلك ، فينبغي أن لا يستبعد أن يعدم التأليف الواحد من وجه مع وجوده من وجه . ونحن نوضح وجه الرد عليهم في أصل مذهبهم ثم نتبين اضطرابات لهم في أحكام التأليف . فمن أوضح ما نتمسك به أن نقول : إذا تألف جوهران وزعمتم أن التأليف الواحد قام بهما فلا تخلون : إما أن تقولوا قام التأليف بأحدهما ثم قام بالثاني غير ما قام بالأول ، وإما أن تقولوا قام بأحدهما ، ما قام بالأول ، وإما أن تقولوا قام بأحد الجوهرين بعض تأليف وقام بالثاني البعض . فإن زعموا أن القائم بأحد الجوهرين هو بعينه قائم بالثاني ، فهذا قريب من جحد الضرورات ، فإن العرض الموجود بحيث وجود جوهر مختص به ، فلو قدر بحيث وجود جوهر آخر مع بقائه في الأول ، فكيف يكون مختصا بالأول مع وجوده في غيره . ولو جاز ذلك جاز تقدير جوهر واحد في حيزين مع استقراره في كل واحد منهما . قال القاضي رضي اللّه عنه : هذا مبلغ في النظر لا يتعدى ولا يتجاوز ، والمراغم فيه معاند . وإن زعموا أن القائم بأحدهما غير القائم بالثاني ، فيلزمهم التصريح بتعدد التأليف ، إذا الغيران من ضرورتهما أن يكونا شيئين يقدر أحدهما منفردا عن الثاني ، وهذا ترك للمذهب . وإن زعموا أن التأليف ينقسم على جوهرين ، ويقوم بكل واحد منهما بعضه ، كان ذلك محالا . فإن الواحد لا بعض له . ولو جاز تقدير بعض للعرض الواحد جاز تقدير بعض للجوهر الواحد حتى يقال : قام عرض ببعض الجوهر . وامتناع قيام عرض ببعض الجوهر ، كامتناع قيام بعض عرض بجوهر . والذي يوضح ذلك : أن القائم بأحد الجوهرين لم يقم بالثاني على هذه الطريقة ، إذ قام بكل بعض . والذي قام بأحدهما يغاير الذي قام بالثاني . وهذا يوضح كونهما موجودين شيئين .